تم تشييد مدينة الغيب على مساحة شاسعة من الأرض، لتصبح مدينة متكاملة توفر جميع المتطلبات للزائرين والعاملين فيها، فهي قبلة المهتمين بعالم الروحانيات حول العالم، سواء للتعلم أو التشافي، أو المتشوقين لمعرفة حكاية هذه المدينة العجيبة.
عند الدخول من بواية المدينة يجد الزائر نفسه في طريق صًمم ليروي حكاية المدينة، ففيه أهم معالم الرحلة إلى تشييد تلك القلاع الشاهقة بعيداً هناك، التي منها تُشن الحرب ضد الشياطين، وعادة ما يتوقف الزائرون عند كل محطة في الطريق ليتعرفوا على الحكاية، كذلك يفعل المهتمون بالارتقاء الروحي ليتعرفوا على أبرز المحطات التي خاضها من جاء قبلهم، والتي ربما قد يتعرضوا لها.
أول ما يراه الزائر هو مجسمات عملاقة لثلاثة هواتف خلوية، وتظهر في الهواتف جميعها رسالة واحدة: “لقد حان الوقت”، وكُتب تاريخ الرسالة (10-10-2040) على لوحة كبيرة، وبجوار هذه المجسمات صندوق زجاجي كالذي توضع فيه المقتنيات الثمينة في المتاحف، في هذا الصندوق توجد الثلاثة هواتف الأصلية، ومكتوب بجوار كل هاتف اسم صاحبه وعمره، كانت أعمارهم في بداية الثلاثينيات، كما كُتب بجوار كل اسم البلد الذي وصلته الرسالة فيها، سهل في تنزانيا وصخر في نيبال، وجَسور في أمريكا، فمن هذه الهواتف بدأت الحكاية.
كان سهل في رحلة استكشافية للحياة البرية في تنزانيا يراقب موسم هجرة الحيوانات، أما صخر فكان يجوب شوارع كاتماندو عاصمة نيبال، وقد شدت انتباهه المعابد وحياة الرهبان هناك، أما جَسور فكان في أمريكا في دورة تدريبية حول الاستشفاء بالطاقة,
ذات يوم رن هاتفيّ صخر وجَسور في نفس الوقت، إنها رسالة من سهل، لم يتبادل الثلاثي الرسائل منذ ما يزيد عن عامين، كانت الرسالة مختصرة جداً.. “أظن أنه حان الوقت.. يجب أن نتكلم.. اليوم الرابعة عصراً”.
اجتمعوا في لهفة في مكالمة فيديو، ليعرفوا سر هذه الرسالة، فهذا الثلاثي عادة ما يجتمع لإنجاز مهمة ثم يفترق، ووصول الرسالة تعني مهمة محتملة.
بدأ الاتصال بالترحيب الذي يفتقد الحرارة، ترحيب تقليدي يخلو من عاطفة وكأنهم كانوا معاً بالأمس، لكنهم كانوا مفعمين بالأمل، فالجميع متحفز لمهمة جديدة كفيلة بفرز أطنان من الأدرينالين لديهم.
بدأ سهل الحوار: لم نلتق منذ زمن كبير!!
جَسور: نعم ما يزيد عن عامين، فكما تعلم نحن لا نلتقي إلا لشيء كبير، يبدو أن لديك شيئاً ما تعجز عن حمله وحدك.
صخر: بالتأكيد سيكون لديه شيء كبير، فهو أيضاً صاحب فكرة المهمة السابقة.
جًسور: لا تذكرني بتلك المهمة المشؤومة.
صخر في خبث: لا تريد أن تتذكر المهمة، أم مادلين التي وقعت في غرامها أثناء المهمة؟!
ضحك الجميع ثم تابع سهل: هل تعلمون أن هذا المشروع ما زال قائماً في الكثير من البلاد؟ فما زالت تعمل الفرق المتخصصة في استرجاع حقوق الموظفين من الشركات الخاصة، بل تطورت بشكل كبير في وسائل محاصرة مديري الشركات حتى يُرجعوا الحقوق لأصحابها، وكما أن المدارء يستخدمون وسائل ملتوية لسلب الحقوق؛ أصبحت لهذه الفرق أيضاً وسائلها المكافئة، والآن تخشى الشركات وصول أي شكوى لتلك الفرق.
جَسور: هذا خبر سار.. الآن دعك من الماضي والذكريات، حدثنا عن المستقبل، أخبرنا عن المهمة التي جمعتنا من أجلها، من هو الشخص الذي يجب أن نُجَنب البشرية ظلمه هذه المرة؟!
سهل: الشيطان.
صاح جَسور وصخر في صوت واحد: مَن؟!!!!
سهل مكرراً ببطء وكأنه يستعرض حرفاً حرفاً: الشـــــيـــــــــطــــــــــان.
قال صخر: ما شيطان إلا إنسان، الشيطان بريء من جرائم البشر، ثم قال ساخراً: تباً لك ألهذا جمعتنا؟!
بدأ سهل يتحدث بجدية: هل تعلمون حجم البشر الذي يتعرض للعدوان الشيطاني يومياً؟!
قال جَسور بهدوء: هل تمزح؟ معقول أنت تقول هذذا الكلام؟ الشيطان ليس له سلطان على من آمن، أليس هو القائل “وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم”؟!
قال سهل: لا أقصد عدوان الوسوسة الذي يتحدث عنه القرآن، أتحدث عن عدوان مادي، يلحق الضرر بالبشر جسدياً ونفسياً، حتى أنه يصل إلى المشاركة في الأموال والأولاد.
رد جَسور بنبرة حادة وقد بدأ يفقد هدوءه: ما هذه التخاريف؟! نحن في عام 2040 وأنت تقول كلام الجهال من العوام.
صخر: هل عندك دليل على ما تقول؟ أن الشيطان يعتدي على الإنسان جسدياً ونفسياً؟!
سهل: نعم بالتأكيد وإلا فلماذا جمعتكم؟!
جَسور: إذن أرنا الدليل.
سهل: كان لي صديق يشتكي من الشعور الدائم بالاختناق، حتى أنه فكر في الانتحار أكثر من مرة، لم يفلح معه الأطباء النفسيون، وأنهكته الأدوية، قررت مصاحبته بضعة أيام حتى لا أتركه وحده.
قاطعه صخر: هذا تعب نفسي شائع ما الجديد؟!
لم يلتفت سهل إلى ما يقوله صخر وواصل الكلام: ثم أتاني أحد أقربائه، أعطاني ورقة، وقال لي خذ رقم هذا الشيخ، اتصل به وسيساعده.
جَسور: وهل اتصلت؟
سهل: بالطبع لا.. فأنا غير مقتنع تماماً بهذا الأمر، أقصد حينها.
تركتُ الورقة على المكتب، وفي اليوم التالي وجدتُ صديقي يصرخ ويضرب رأسه في الحائط، خشيتُ عليه، ولم أعرف ماذا أفعل، حاولت تهدئته لكنه كان أقوى مني بكثير، رغم علامات الضعف الجسدي التي تبدو عليه، تذكرتُ الورقة التي هممت بتمزيقها.. ما باليد حيلة؟! لأتصل بهذا الشيخ وأمري إلى الله.
أحضرت الورقة، كان مفتاح الرقم يدل على أن هذا الشيخ في السعودية، وعندما هاتفته عرفت من لهجته أنه سعودي.
اتصلت بالشيخ: مرحباً يا شيخ بدر، أخذت رقمك من أحد المقربين، أريد استشارتك بخصوص…
قاطعني الشيخ قبل أن أكمل الحديث: أنت تتصل بسبب صديقك المريض.. أليس كذلك؟!
تعجبت!! كيف عرف هذا الأمر وأنا لم أتحدث بعد، ثم قلت في نفسي لعله يستعمل تلك الحيلة من أجل الإبهار، فمن نبرتي علم أني لست مريضاً، وحظه الجيد أن تصادف ما يقول مع ما أريده بالفعل.
أجبته: نعم، لي صديق بالفعل مصاب بمرض نفسي وأود مساعدته، و…
قاطعني بأدب: أخي الكريم.. لا أريد أن أضيع وقتك، ولعلك تحدثت عن حالة صديقك مع كثيرين من قبلي حتى مللتَ من تكرارها، لا داعي للشرح، فقط أرسل لي صورة شخصية لصديقك وانتظرني قليلاً على الهاتف، ثم سأخبرك إن كان علاج صديقك عندي أم لا.
أرسلت له الصورة عبر الهاتف، مرت حوالي ثلاثون ثانية من السكون، ثم قال لي: هناك شيطان من أمراء الجن متسلط على صاحبك.
هممت بالضحك، لم أصدق الكلام طبعاً، فضلاً عن السرعة التي جاءني بها بالخبر اليقين، أي شيطان وأي مارد وأي أمير؟ ما هذه السخافة؟! لكنني لم أعلق تأدباً مع الشيخ.
سألت الشيخ بدر: حسناً ما هو المطلوب مني؟
قال: الآن لا شيء، بعد ساعة ستتلاشى الأعراض تدريجياً، وغداً سيولد صديقك من جديد.
تذكرت الأقوال التحفيزية لمروجي دورات التنمية البشرية قبل عشرين عاماً، غداً تولد من جديد، قلت في نفسي: واضح أن الشيخ يتعاطى صنفاً عالي الجودة من المخدرات.
شكرته وأنهيت المكالمة وأنا في ورطة، ماذا أفعل لصديقي!! لم أستفد أي شيء من الشيخ.
مرت ساعة، بدا صديقي أكثر هدوءاً، قلت في نفسي لعلها نوبة خفتت بشكل طبيعي، بالتأكيد لا علاقة لهذا بخرافات الشيخ.
في اليوم التالي استيقظ قائلاً في هدوء: حلمتُ اليوم حلماً عجيباً، رأيت كأنني أولد من جديد، وأسمع مكبرات الصوت تردد القرآن في كل مكان، وإذا بقمر يظهر في السماء، يغمرني بنوره.
تسمرت عيني عليه وهو يحكي، ما هذا الذي يقوله؟! هل يمكن أن يكون هذا القمر هو الشيخ بدر؟ أليس البدر هو القمر؟! رنت في أذني مقولة الشيخ: “غداً سيولد من جديد”.
شعرت بدقات قلبي تتسارع، هل كان الشيخ بدر محقاً؟! معقول يوجد شيء مثل هذا في واقعنا؟!
سألت صديقي: بماذا تشعر الآن؟!
أجاب: أشعر بشيء لم أجده منذ سنوات، لأول مرة أنام نوماً عميقاً، والآن أرى كل ما حولي بشكل أكثر وضوحاً، وكأنني كنت أرتدي نظارة شمس لكنني اعتدت عليها، لم أكن أتخيل أنني أعيش في إضاءة خافتة، اليوم فقط خلعت هذه النظارة، وأحس أن غشاوة كانت على عيني قد أزيلت.
ثم ضحك قائلاً: يبدو إنك راجل بركةـ، من اليوم أنت الشيخ سهل.
قلت في نفسي: هذا الشيخ ليس سهلاً على الإطلاق.
دارت الدنيا من حولي، ما الذي يحدث؟ وماذا فعل الشيخ؟!
قاطعه جَسور وكأنه يدافع عن عقله هو خشية أن تغريه هذه الأفكار: هذا شيء شائع في الطب النفسي له علاقة بالإيهام، لقد أوهمت صديقك أنك تعالجه، فشعر بآثار العلاج.
سهل: لكنني لم أخبره شيئاً، لقد كان في حال صعبة، ثم ذهب لينام بعد ساعة، هو لا يعرف أي شيء عن الشيخ، أيضاً العجيب أن الشيخ لا يعرف شيئاً عنه، ولم يره أبداً أو يتحدث إليه، فقط رأى صورته.
صخر: إذن يوجد احتمال ولو 1% أن يكون ما يقوله الشيخ صحيحاً، دعونا نتفق أن موضوع الشياطين غير مؤكد، هذا زعم الشيخ، لكن المؤكد أن الشيخ بدر تمكن من تغيير حال صديقك.
سهل: بالضبط، فهذا الأمر لم يتكرر مرة واحدة، كلما كان صديقي يشعر بتعب كنت أكلم الشيخ، وبنفس الطريقة كان يشعر براحة بعد فترة وجيزة.
صخر: إذن الموضوع تكرر أكثر من مرة، فاحتمال الصدفة أصبح بعيداً.
سهل: لا توجد صدفة.. أنا على يقين من ذلك.
صخر: لكن حكاية الشياطين غريبة، إن ثبت أن ما يقوله الشيخ صحيحاً فهذا معناه أن الشياطين لها تدخل ملموس في حياة البشر، وأن العدوان ليس مقصوراً على الوسوسة كما هو شائع لدينا.
جَسور بعد أن أفاق من الصدمة: إن كان هذا الكلام صحيحاً فهذا معناه أن الشيطان فاعل بقوة في صناعة الشر، وأن الشيخ أيضاً قادر على إيقاف بعض من هذا الشر في حدود إمكانياته هو كشخص واحد.
تابع جَسور وقد لمعت عينه من الحماس: مهلاً مهلاً.. ماذا لو جمَّدنا الشيطان وأوقفنا حركته فقط لمدة ساعة؟! هل سيتوقف مصدر الشر؟ حينها سنرى فقط حدود الشر البشري، ربما حينها ستتغير أمور كثيرة على هذا الكوكب!!
صخر: الله .. الآن بدأ جًسور في هوايته المفضلة.. اقتحام المجهول ومد الخط إلى منتهاه.
جًسور: لكن الموضوع كبير جداً، ويبدو كبحر لا شاطيء له.
سهل بحماس: وهل خضنا من قبل بحراً له شاطيء؟!
جَسور في نبرة من لا يطيق الانتظار: إذن من أين نبدأ؟!
سهل: أقترح أن نتواصل مع الشيخ بدر، ونعرف منه كل شيء بالتفصيل، لماذا تحدث عن وجود تأثير للشياطين؟ وكيف عرف ذلك من الصورة؟ وكيف عالج صديقي؟!
جَسور: إن تحدث الشيخ بوضوح واستطاع أن يقنعنا بما لديه؛ فهذا معناه أننا أمام كنز حقيقي قد يغير مسار البشرية، إما إن لجأ إلى اللف والدوران فهذا يعني أن ما حدث محض صدفة لا يمكن البناء عليها.
قال صخر مازحاً: إذن أحضروا الشيخ بأسرع وقت.. حياً أو ميتاً.
وائل عادل

أضف تعليق