مدينة الغيب

كانت غرفة العمليات مفعمة بالحركة، وكأن الجميع في انتظار حدث عظيم، هناك أجهزة مزودة بشاشات على مستوى تكنولوجي عال ترصد ترددات لأجسام مشبوهة، هذه الأجهزة في طوابق دائرية تطل جميعها على فناء واسع، يعجز الزائر عن أن يحيط بعدد الأجهزة، مئات الأجهزة في كل طابق يعمل عليها شباب تظهر عليه علامات اليقظة والانتباه، كما لا يخلو حديثهم من الفكاهة والمرح,

         صبغ اللون الأحمر كل الشاشات، فقد جاءت إشارة، هناك هجمة شيطانية في المنطقة 14، تبدل المشهد بالكامل، خفتت إضاءة المكان فلم تعد تنيره إلا شاشات خافتة الإضاءة، ارتسمت الجدية على وجوه الجميع، الكل يراقب الشاشات بانتباه، ألسنتهم لا تتوقف عن الذكر، استل كل من جيبه مسبحته، تبدو وكأنها فسفورية مضيئة، مئات الأيادي في كل طابق تشع نوراً، وكأنهم أرادوا أن يستضيئوا فقط بنور الذكر، تدلت من أيديهم المسابح، صوت احتكاك حباتها يأسر الآذان، لا تدري هل هي مسابح أم معازف لسيمفونية نورانية تأخذ الألباب؟! أو لعلها دقات الطبول لشباب أعلنوا الحرب على الشيطان. إن نَظرْتَ إلى وجوههم وجدتَ السكينة والاطمئنان، وإن علمتَ ما سيقومون به شاب شعر رأسك من هول الأحداث.

         فجأة جاء صوت عبر مكبرات الصوت، سنبدأ الآن باسم الله دفع العدوان، ثم تابع الصوت وقد بدا أكثر حدة كأنه سيف قاطع: “فأنذرتكم ناراً تلظى.. فأنذرتكم ناراً تلظى.. فأنذرتكم ناراً تلظى”.

         بدأ كل طابق بالتتابع يردد النداء بشكل جماعي “فأنذرتكم ناراً تلظى”. بدا الأمر وكأنه موجة وعيد تبدأ من الطابق السفلي إلى الطابق الآخير، كل طابق يسلم النداء إلى الذي يليه.. وبعد أن ينتهي كل طابق من النداء يسدل لافتة قماشية بيضاء ضخمة، تتدلى من أسوار الطابق، منقوش عليها آية الكرسي.. فيا له من مشهد!!

ثم بدأت التوجيهات عبر مكبرات الصوت: الآن ليبدأ حفظة كتاب الله، فإذا بصوت تقشعر له الأبدان يأتي من الطوابق العليا، حيث يرابط فيها حفظة كتاب الله وكأنهم حراس السماء الدنيا، كل يقرأ آيات فتح الله بها عليه، لم تكن مجرد آيات، بل براكين وجحيم تُسعر بها الشياطين.

         ثم جاء النداء عبر مكبر الصوت، الآن ليبدأ حملة أسماء الله الحسنى، فإذا بأصوات مختلطة لا تكاد تميزها، تقسم على الله بأسمائه الحسنى أن يمدهم بملائكته ويأخذ الشياطين أخذ عزيز مقتدر.

         أما الطوابق السفلية فقد خرَّت جميعها سجداً لله، وكأنها تنتظر القيامة!!

         توالت النداءات واستمرت المعركة وتصاعدت، نداء تلو نداء، حتى كاد المبنى يخر خاشعاً متصدعاً.. زمجرت السماء فإذا بالرعد كالقنابل، لا تدري أهو محض صدفة أم أن المعركة اشتد لهيبها طولاً وعرضاً؟! فسبحان من يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء.

لكن هناك في أحد الطوايق كان يقف ثلاثة شباب يتابعون المشهد بهدوء بالغ، وينظرون بإعجاب إلى هذه الطوايق النورانية التي تخوض ملحمة روحانية ضد الشياطين، ينساب الذكر على شفاه الثلاثة سراً في سكينة وكأن شيئاً لا يحدث، ثم نظر بعضهم إلى بعض وهم يبتسمون.. فقد أصبح الحلم حقيقة.

تُرى من هؤلاء الثلاثة؟ وما هو هذا الحلم؟ وما الذي يجري تحديداً في هذا المكان العجيب؟!

          الثلاثي هم سهل وصخر وجَسور، يعيشون في هذه الدنيا لكنهم يشعرون أنهم لا ينتمون إلى هذا العالم، تستطيع من أسمائهم أن تعرف صفاتهم، فسهل شخص رقيق القلب ينطلق في الحياة بقوة الروح والمشاعر، أما صخر فهو عنيد إن تبنى فكرة خاض معاركها ولو وحده، يقوده العقل وقلما يسمع لصوت العاطفة، أما جَسور فهو شجاع، يذهب إلى حيث لم يذهب أحد قبله، وهو وسط بين سهل وصخر، بين المشاعر والعقل، فيحسن الاستفادة من كليهما.

أما حلمهم فلم يسبقهم إليه أحد، كان إعلان العداوة على الشيطان انطلاقاً من قول الله “إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً”، فتساءلوا، لماذا لا نعامل الشيطان كعدو؟! لماذا نتعامل معه وكأنه مجرد فكرة؟! فالعداوة تقتضي المعرفة بالعدو ومعرفة النفس، وتطوير وسائل المواجهة، وبناء منظومة وترسانة كاملة من أدوات الحرب.

فكروا أن يبنوا مدينة كاملة تعمل على دراسة هذه المعركة، وتطور وسائل البشر في المواجهة، كان حلمهم أن تكون هذه المدينة هي حلقة الوصل بين عالم الغيب والشهادة، شيء أشبه بوادي السليكون الذي يحتضن الموهوبين تكنولوجياً، أو مدن الإنتاج الإعلامي التي تُصنع فيها السينما.

في مدينة الغيب نوع آخر من الصناعات، لا تستوعبها عقول كل الناس، لكن الجميع يتأثر بها حتى وإن أنكروا وجودها، أُسست مدينة الغيب لتضم الموهوبين روحانياً، الذين يقفون على البوابات في مهمة مقدسة لحراسة الأرض من عبث الشياطين وعدوانها.

في تلك المدينة نخبة ممن نذروا أنفسهم لحماية الأرض من أن تكون وكراً عفناً يغشاه الظلام أومرتعاً للشياطين، هؤلاء الشباب هم من يسعون إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، لتشرق بنور ربها، هم من كرسوا حياتهم لأن تتغير المعادلة، كانوا دائماً يرددون:

“إن كان الشيطان يرانا وهو قبيله من حيث لا نراهم، فمن اليوم سيراه الجميع هو وقبيله، إما بشكل مباشر أو بتكنولوجيا متطورة.. هكذا ستتغير المعادلة التي تعيشها البشرية منذ آلاف السنين”.

كان هذا هو الحلم. ترى هل نجحوا في تحقيقه؟! هل نجت مدينة الغيب من مكر الشياطين؟! هذا ما سنتابعه معاً على مدار حلقات قادمة.. لنتعرف بالتفصيل على تلك الحكاية من البداية.. حكاية حالمين أرادوا للبشر أن يرفعوا راية.. تتكون من كلميتن.. “فاتخِذوه عدوًا”.

وائل عادل

أضف تعليق