وإنا لنحن المسبحون

أن أبدأ رحلة روحانية إلى الله تعني أن يكون ذكر الله من أهم الأمور التي أقوم بها بعد الفرائض، لم يكن لي علاقة تُذكر مع الذكر من قبل، كان أقصى عدد للذكر جربته الاستغفار أو التهليل والحمد والتكبير مائة مرة.. لا أتذكر يوماً أنني تجاوزت المائة، أو حتى فكرت في تجاوزها.

لم أكن أعرف أهمية الذكر، رغم أن العبادة الوحيدة التي اقترنت في القرآن بالكثرة هي الذكر، قال الله تعالى:  ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [آل عمران: 41]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]. ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الشعراء: 227].

ويتضح من الآية الأخيرة أن العمل الصالح بمفهومه الشامل لا يغني عن الذكر في الرحلة، فبالرغم من أن العمل الصالح يشمل الذكر إلا أن الذكر تم تخصيصه. من الواضح أن للذكر منزلة خاصة في الرحلة، وهو ما اتضح لي لاحقاً.

        كان مما يمنعني من الذكر بأعداد كبيرة -قبل هذه الرحلة- اقتناعي أن الله غني عن عبادتنا، ما معنى أن أردد عبارة أو كلمة مئات أو آلاف المرات، مرة واحدة تكفي. كما أن الله لا يريد تعذيبنا بهذه العبادة، خاصة حين يصعب استجماع القلب ويتحول المرء إلى ماكينة ذكر، أحياناً كثيرة لا تفقه ما تقول.

        سألت المعلم عن ضرورة الذكر، ما قيمته، خاصة أنه كان يوصي بالذكر على أي حال، قائماً أو قاعداً أو على جنبك.. حتى وأنت تشاهد التلفاز، لا يزال لسانك رطباً بذكر الله، أما القلب فقد يستشعر الذكر أو لا، لا يهم الآن.. فقط عود لسانك على الذكر!! فما لن يستوعبه عقلك أو يضيق به بدنك ستستوعبه روحك.

وقد وجدت صعوبة في البداية في الالتزام اليومي بالذكر، كان ثقيلاً على النفس، مرهقاً للسان جف من هجر الذكر.. كنت أريد أن أذكر ألف مرة في اليوم أو يزيد، فأعانني التدرج حتى حُبب إلى نفسي ما كانت تستثقله.. فعلمت لاحقاً أن الذكر هو غذاء الروح، وفي البداية قد لا يستسيغه الجسد!!

        إن جزءاً كبيراً من أسرار الذكر تُلمس في عالم الغيب غير المرئي، فبالذكر تتغذى الروح حتى ولو اشتكى الجسد أو تذمر العقل في البداية، وهي تغذية تتنهي بالشفافية، والمقصود بها اتصال الجسد الترابي بالروح السماوية، فتشف الرؤى، وتتقد البصيرة، ويتوالى الإمداد الإلهي عبر قناة اتصال نقية، لم تسدها أوحال النفس وسيء الأعمال. فالذكر يلعب دوراً مهمة في تنقية قنات الاتصال بين الجسد والروح، تلك الروح التي تعلمنا وتسمعنا وترينا الكثير، لكن أنى لنا أن ندرك رسالتها.. لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون.. في النهاية.. لهم قناة اتصال لا تعمل!!

كذلك بالذكر المستمر المكثف أنت تعلن انضمامك للمنظومة الكونية التي لا تتوقف عن الذكر، ملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومخلوقات لا حصر لها تسبح ولا نفقه تسبيحها، وينضم إليها خلق الله الصالحون من الإنس والجن، كل هؤلاء ينشرون طاقة نورانية في الوجود وهم يلهجون بالذكر.

        وتلك المخلوقات النورانية من الملائكة وعباد الله الصالحين يحيطون بمن يتشبه بهم، بمن يقول كما قالت الملائكة، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، معتزاً بكونه مع تلك الزمرة هاتفاً.. وإنا لنا المسبحون. إنها نقلة كبرى في الحياة لمن يُنعم الله عليه بالذكر فيُصنف من الذاكرين الله كثيراً.

        وكما يرسل الله الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً، يرسل المخلوقات النورانية للذاكرين تؤازرهم أزراً، تؤمن على دعائهم، وتؤيدهم في طاعة كاملة لأمر الله “كن فيكون”.. فالذاكر جليسه الله، وهذه هي الوفود النورانية التي تتقدم موكب الملك، موكب العطايا والهبات والمنح.. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.

        وفي الرحلة النورانية يتفاوت البشر، فمنهم من يحس بهذه الأنوار على هيئة سكينة، ومنهم من يشعر بطاقة هذه الموجودات، ومنهم من يريه الله طرفاً منها بشكل واضح، ومنهم من تأتيه إشارة خفيفة، كربتة على الكتف.. إنا معكم ذاكرون!!   

وائل عادل

20-04-2022

أضف تعليق