تصحيح مسار

كان تركيزي في البداية على فهم عالم الجن والشياطين بحكم طبيعة بداية الرحلة، التي انطلقت بسبب الاقتراب من حالة مصاب بأذى روحاني، وهو ما تحدثت عنه في موضوع “أهلاً بالهلاوس”، لكن هل كان غرض الرحلة هو التواصل مع الجن؟! هل الهدف الأساسي هو اكتساب قدرات استثنائية؟!

سألت المعلم: لماذا يتردد الحديث بكثرة عن الجن لدى المشاركين في هذه الرحلة؟ فأخبرني أن هناك سببين.. الأول أن بعض من التحقوا بالرحلة كانوا بالأساس يُعالَجون من أذى روحاني شيطاني، وهو ما جعلهم يتعرضون لهذا العالم ويركزون في فهمه بحكم مشاهداتهم والرغبة في التعافي.

أما السبب الثاني فهو عملي، فحين تصفو الروح، وتزول الحجب فإن عالم الجن هو أول ما يتكشف للإنسان في العالم الموازي، بحكم قربه الشديد وتداخله مع عالمنا. لكن من انشغل فقط بهذا العالم حُبس فيه وحُجب عن ما وراءه من عوالم. فهو يتوهم أنه وصل وجهته.

كان المعلم يؤكد أن موضوعنا ليس الجن. نحن في رحلة إلى الله، وخلال هذه الرحلة سنرى من آياته عجباً. ستتكشف الحجب، فنرى أثر الملائكة والشياطين في حياتنا، ونرى كيف تعمل الأقدار وكيف يستجاب الدعاء. كل ما يحدث أثناء الرحلة أنها تزيل الغشاوة عن أعيننا، لنكتشف أننا كنا عمياناً، فالرحلة ليست تواصلاً مع العالم الموازي، بل صقلاً للعين والبصيرة. وهي بذلك لا علاقة لها بالجن من حيث الوجهة، عالم الجن قد يكون أحد المشاهد التي يتعرض لها البعض أثناء الرحلة، فعليه أن يفهمها ويحسن التعامل معها إن استدعى الأمر.

أما عن المواهب والقدرات فهي أيضاً ليست هدفاً بذاته، فهي تأتي بشكل تلقائي بسبب طبيعة الرحلة. في تجاربي مع السفر والترحال أدركت كم يصقل السفر المواهب، كم يطور إمكاناتنا، كم يكشف من قدرات لم يكن المرء على دراية أنها مودعة بداخله. مع السفر بدأت أتعلم لغات جديدة، وأكتسب بعض المهارات التي تمكنني من اختيار أفضل الأسعار والمواصفات في التنقل والسكن وطرق المعيشة. هل كان هدفي من السفر تعلم لغة جديدة؟ هل كان هدفي تعلم طهي الطعام؟ لا.. لكنه حدث كنتيجة طبيعية، ولا ألتفت له بحد ذاته ولكني ألتفت إلى الاستمتاع برحلتي.

فكيف إن كانت الرحلة في عوالم غيبية؟! حتماً ستؤثر على الإنسان وقدراته ومهاراته ومعارفه بحكم متطلباتها وتأثيرها. وماذا إن كانت الرحلة نحو الله؟!

إن الله هو مصدر النور في هذا الوجود، لذلك يزداد نورك كلما اقتربت، وتصقل مواهبك، وتتطور قدراتك. وكل ما تكتسبه أو يتطور لديك من قدرات ومواهب هو نتيجة وليس هدفاً في حد ذاته. فالموصول بالله موصول بقوته وقدرته ونوره، فيكتشف قدرات كانت مودعة به لم تكن تتطلب إلا روحاً شفافة كي تعمل. بالإضافة إلى أن الموصول بالنور الإلهي تتداعى كل القوى النورانية في الوجود لتأييده ودعمه ومن ثم تتطور قدراته.. ما بين عباد الله الصالحين من إنس وجن وملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون. هؤلاء هم الصحبة وهذا هو الطريق والموعد الله. فلا تسل عن حجم العطايا التي ستجدها في الرحلة!!

إننا حين نصحح المسار في رحلة النور نعلن انتماءنا إلى تلك المنظومة النورانية في الوجود، التي تغذي الأرض بالأمل والحب والرحمة، في مقابل منظومة ظلامية يقودها إبليس ومن يجندهم ليغذوا الأرض باليأس والكراهية والقسوة. وبين هؤلاء وهؤلاء من غلب نوره ظلمته ومن غلبت ظلمته نوره، البعض إلى المنظومة النورانية أقرب والبعض إلى المنظومة الظلامية أقرب.

بدأت تدريجياً أضبط بوصلة الرحلة، فوجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض. خاصة بعد ذلك الحلم الذي رأيت فيه أحدهم يخبرني أن من اليوم الوجهة ليست الجن، ولكن الوجهة هي الله.

وائل عادل

20/06/2020

أضف تعليق