كلية علوم الجن

كنت أبحث عن رفقاء ممن يؤمنون بوجود عوالم الجن والملائكة لأبدأ معهم الرحلة. وكما كان لهذا الإيمان مبرراً وجيهاً لأن يتقبل البعض خوض الرحلة، إلا أنه ذاته كان سبباً كافياً لتردد آخرين. فكان مما يقال، لماذا لم تحثنا النصوص الدينية على التواصل مع هذه العوالم؟ لماذا لم نسمع عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك؟ لم يرد الله للبشر أن يتواصلوا مع تلك العوالم.

لنبدأ من عموم البشر والتواصل. فقد خلق الله آلاف البشر ممن يتواصلون بالفطرة، وهم من نطلق عليهم “الموهوبون”. وكأنه أراد أن يعلمنا أن التواصل ممكن. وهذا هو النموذج، لكن التواصل بالفطرة مثله كأي موهبة لم تُعط لكل البشر. فالقول بأن الله لم يرد للبشر التواصل أو الرؤية على الإطلاق مخالف للمشاهدات الفعلية في دنيا البشر.

أما الصحابة.. فهم أبناء الجزيرة العربية بثقافتها السائدة آنذاك عن الجن. وبتأمل القرآن سنجد أنه لم يسجل لقاء الرسول الجن باعتباره معجزة أو كرامة. وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن”(الأحقاف:29). وعلى اختلاف التفاسير حول إن كان اللقاء بمعرفة ورؤية الرسول لهم أم استمعوا إليه دون علمه، إلا أن الخلاف يعكس قابلية تصديق اللقاء الحسي في هذه البيئة آنذاك. فلم يقل أحد بترجيح عدم التواصل المباشر لاستحالته. هذا هو البعد الثقافي الشائع آنذاك. كما لم يسجل القرآن رد فعل ساخر أو مكذب للكفار على آيات الجن أو لقاء الرسول بهم، على عكس حادثة المعراج التي جاء فيها “ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على مل يرى”)النجم:17 -18). لذلك يمكن أن نتوقع شيوع الثقافة العامة حول موضوع الجن والتواصل مع الإنس كأمر مقبول في ذلك الزمان. حتى أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن. فموضوع تواصل الصحابة من عدمه لم يتطرق له القرآن إثباتاً أو نفياً، فلم يكن أمراً ذات أهمية في بيئة ثقافتها السائدة لا تستغرب التواصل أو تراه كرامة.

أما عن النصوص فالقرآن ليس كتاب سحر وجن وعفاريت لنبحث فيه عن معلومات مفصلة حول هذه العوالم. وتكمن الأزمة في أن يتم التعامل مع العوالم الخفية باعتبارها مادة دينية، لا باعتبارها عوالم سيكتشفها الإنسان عصراً بعد عصر بحسب ما يتوفر لديه من أدوات. بالتأكيد هناك انعكاسات لهذه العوالم على الوعي الديني، كأثر الشياطين في حياة البشر وإغوائهم، لكنها مخلوقات علينا أن ندرسها مثلما ندرس الإنسان وسائر الأحياء. ولا نعتبر النص الديني هو نهاية المعرفة بل نقطة انطلاقها. فقد وردت نصوص تصف الإنسان، فهناك من يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهناك من يريدون من الناس أن يميلوا ميلاً عظيماً، والإنسان ظلوم جهول إلى غير ذلك من الصفات التي وردت. هل هذا يعني أن دراسة النفس البشرية تتحول إلى مجال ديني نتوقف فيه على ما ورد في النصوص الدينية فقط؟ أم أن نبحث عن فهم الإنسان وخصائصه في قلب الواقع؟! قطعاً لن تتوقف معلوماتنا عن النفس البشرية عند ما وفرته النصوص، بل ستنشأ علوم كاملة مهمتها دراسة الإنسان وسلوكه فرداً أو جماعة أو مجتمعاً. وليس من المنطق أن نقول لماذا لم يدرس الصحابة النفس البشرية؟ هل لأنهم لم يتبحروا في دراستها فعلينا ألا نتبحر بزعم أنه لو كان خيراً لفعلوه!!! وهل سيكون عصر الصحابة هو سقف المعرفة البشرية؟!

كذلك تحدثت بعض النصوص عن الأرض والسماء والكواكب والإبل والأنعام والجبال. هل نقول أن ما هو مذكور فقط في النصوص هو حدود ما يجب على البشر معرفته حول هذه المخلوقات؟ بدعوى أنه لو كان هناك ما يجب معرفته أكثر لذكره الله؟ أم أن الأصل أنها إشارات لشيء على الإنسان فعله؟ وهو اكتشاف الطبيعة وإبداع موسوعات عنها بمخلوقاتها المتنوعة؟!

فلنطبق ما سبق على عوالم الغيب، فإعطاء النصوص الدينية معلومات أساسية عنها لا يعني أنها نقطة نهاية للمعرفة الإنسانية بهذه العوالم، ولكنها نقطة انطلاق مبدئية، خاصة أن تركيز النصوص جاء في أمر الهداية والإغواء، لكن ماذا عن طبيعة هذه الكائنات العاقلة؟ ماذا عن تطورها عبر العصور؟ ماذا عن طبيعة تأثيرها في حياة البشر بحكم التواجد وتقاطع العوالم لا بحكم الوسوسة؟!

إن تكوين صورة كاملة عن هذه العوالم من خلال نصوص دينية فقط أمر يستحيل، تماماً مثل محاولة تكوين صورة عن أي مخلوق من نصوص دينية بدون استكشاف واقعي. مما يدفع البعض إلى الذهاب إلى اتجاهات غير صحيحة، والقيام بإسقاط النصوص بشكل غير دقيق على الواقع. فمثلاً سيفهم البعض من قول الله “وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً” (الجن: 6) أن كل تواصل يجلب مشاكل للإنسان، أما الممارسة العملية فلا تخبرنا بذلك. لكنها تطرح أسئلة حول معنى “يعوذون”، وطبيعة “الرهق”، وهل يحدث الضرر مع كل أصناف الجن أم منهم الصالحون ومنهم دون ذلك؟ وما هي أشكال العلاقات التي تربط العالمين؟ ومتى تكون مفيدة ومتى تكون مضرة؟ ففهم هذه الآية ومجال عملها سينبع من فهم الواقع، ولن يُفهم الواقع بحكم تفاعل مبدئي للعقل مع الآية بعيداً عن دراسة هذه العوالم.

إن المعلومات المحدودة الموجودة في النصوص الدينية حول هذه العوالم سيعاد فهمها بمنظور جديد حين تُدرس هذه المخلوقات بعمق أكبر، وإن سلطنا الضوء على عالم الجن كمثال، ستنشأ علوم خاصة تدرس هذه الكائنات من عدة زوايا. مثل الجن من الناحية التكوينية كعلم الأحياء لدينا، ثم علم نفس الجن، ثم علم اجتماع الجن، وعلم العمران وطرق تنظيم عالمهم، ناهيك عن العلوم التي أبدعوها هم وقام عليها عالمهم، وقد نبدع هندسة خاصة بتطوير تكنولوجيا لرصد الذبذبات ومدى إمكانية رؤية البشر لآثارهم بدلاً من أن تكون الرؤية مقتصرة على بعض أصحاب القدرات. كما سينشأ علم “الإنسْجْن Ensjn”، وهو العلم الذي يرصد علاقة عالم الإنس بعالم الجن، وهل التأثير هو مجرد إغواء فقط أم تأثير طبيعي نتج عن الشراكة في الحياة على هذا الكوكب، مما قد يؤثر في الصحة النفسية والبدنية لدى البشر؟! كما يدرس طبيعة الموهوبين من البشر وتطورهم الجيني. وسيولد كل اكتشاف حول طبيعة هذه العوالم سؤالاً جديداً، وحقلاً معرفياً لم تعرفه البشرية من قبل، لنجد بين أيدينا عشرات العلوم التفصيلية حول هذا العالم.

إن نصوصاً صريحة متكررة تخبرنا أن الشيطان للإنسان عدو مبين، وتأمرنا أن نتخذه عدواً؛ كانت كفيلة بعمل دراسات وتطوير تكنولوجيا لرصد نشاط هذا العدو على كوكبنا. لا اتباع إيمان كسول وعقل خامل يقول أن قدَرَنا أن يرانا ولا نراه بحجة أن الله يقول إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم” (الأعراف:27) .. ففي ضوء الواقع يمكن أن نفهم من هذه الآية خطورة عدم التوازن في معادلة الرؤية لدى عموم الإنس في الوقت الراهن، وأن علينا أن نبحث عن وسائل استشعار تحقق توازناً في المعادلة؛ لا أن نفهم منها التسليم بأنه لن تكون هناك رؤية، بل ولا تجب.. علينا أن نبقى عمياناً!!

وائل عادل

07/05/2020

أضف تعليق