كل ما تقوله كلام غير علمي”.. ستسمع هذه الجملة كثيراً أثناء رحلتك في عالم الغيب حين تُحدث بها بعض الناس، والطريف أن تركيبة هذه الجملة نفسها مخالفة لطريقة العلم في التعبير عن نفسه. فالعلوم لا تعبر عن نفسها بمثل هذه الصياغات. سواء بالتعميم باستخدام “كل”، أو لفظ “غير علمي” الذي نجهل نسبته إلى أي نوع من العلوم. فهذا الكلام غير علمي من منظور أي علم؟! من منظور الفيزياء أم علم النفس؟ وهل تمتلك مثل هذه العلوم الجدارة لتحكم على وجود عوالم موازية من عدمه فضلاً عن أن ترصد أثرها في حياتنا؟!
لا نستغني في رحلتنا عن وعي بفلسفة العلوم ومدى دقة المعرفة التي ترتبط بأي علم. حتى لا نقع بدورنا في فخ “العلم” ونتحدث عن حقائق حول العوالم الموازي لا ترقى إلى هذه الدرجة من اليقين. فحين نتحدث عن “علم” لا نقصد معلومات صحيحة مائة بالمائة، ولكن منهجاً للوصول إلى المعلومة. فليس ما يميز العلوم أنها تعطينا معلومات صحيحة، ولكن تعطينا معلومات بناء على منهج وتجارب يمكن تكرارها والتثبت من النتائج. أما نتائج التجارب وتفسيراتها فتظل مقبولة حتى يأتي من يثبت خطأها أو قصورها. لقد تغير مفهوم العلم في القرن العشرين، ولم يعد ذلك المفهوم الذي يثبت كل ما يصل إليه وينفي ما دونه. فبعد ثورة العلم في القرن العشرين وفهم العالم من مناظير مختلفة عن تلك التي قدمها نيوتن في القرن الثامن عشر؛ أصبح العلماء أكثر تواضعاً فيما لديهم، أما مضمون العلم الذي بين أيدينا اليوم فهو -كما يقول فلاسفة العلم – مجموعة العبارات التي لم يتم تكذيبها بعد. وصار العلم ليس سوى عملية تصحيح مستمرة لوهم مشترك كان سابقاً يطلق عليه “علماً”. ويمكن الرجوع للكتابات حول فلسفة العلم لفهم معنى هذه الكلمة التي تردد كثيراً.. “علمي”!!. وهنا نسأل بدورنا من يدعون العلم.. هل نفي وجود وتأثير العوالم الخفية في عالمنا كلاماً علمياً؟
إن أردنا أن نسأل العلم عن العوالم الخفية فأي مجال علمي سنسأل فيه؟ وهل لديه أدوات الإجابة؟ إن الخطأ الذي نرتكبه أن نتجه لنسأل العلوم الطبيعية عن مجال لم تدرسه ولم تطور أدواتها في البحث فيه. بل إنها في تجاربها تستبعد عوامل من العالم المادي حتى يتم تركيز عناصر التجربة، مثلاً سيتم استبعاد مقاومة الهواء في بعض تجارب الفيزياء، وقطعاً سيتم استبعاد العوالم الخفية، هذه هي الطريقة التي يعمل بها العلم.
حين نقول لم يثبت العلم أو يفسر شيئاً محدداً هذا لا يعني أن بإمكاننا أن نقول الصيغة العكسية الواثقة.. “ينفي العلم كذا”، كأن نقول “لا يوجد عالم خفي يؤثر في حياتنا”. فعوالم الغيب اعتماداً على العلوم الطبيعة لم يتم إثباتها. ولا يمكن نفيها. لذلك حين يقول أحدهم أن العوالم الموازية غير موجودة علمياً فهذا يتطلب أن يخبرنا عن أي العلوم يتحدث؟ وما أدواتها التي أعطته هذه النتائج اليقينية؟! وهل زعمت هذه العلوم أنها تدرس هذه الظواهر؟!
إننا حين نستطلع رأي العلوم الطبيعية في الحكم النهائي على عالم الروحانيات كمن يريد رأي العلوم الإنسانية في عالم الفيزياء. ويقول لم يثبت علم الاقتصاد شيئاً اسمه الجاذبية الأرضية. فالفخ الذي نقع فيه أننا نحكم على عالم روحاني عبر منظومة علمية لم تصمم لأجل هذا الشأن. هنا سنكتشف مدى سذاجتنا حين نرفض أشياء لمجرد أن أدواتنا فقيرة في رصدها، كمن يمسك المنظار المكبر الذي يرى به مسافات بعيدة ثم يقول لا توجد فيروسات، هذه خرافات.. هذا القول لا يعبر عن حكمة عالم، بل سذاجة من يظن أن المدرسة العلمية التي نشأ عليها قادرة على استيعاب كل العوالم!!
البعض يجعل الطب النفسي وعلم النفس أداة تفسير الظواهر الغريبة التي يراها الموهوبون، فيسمونها هلاوس، رغم يقينهم أن مجال الدراسة الأساسي لهذه العلوم هي النفس البشرية والمؤثرات الخارجية عليها والتي لا تتضمن أبداً عوالم خفية، ألا تحتاج هذه المجالات التي تدرس النفس البشرية إلى مجالات أخرى مكملة تدرس العوالم الخفية؟! فتسليط الضوء على أي ظاهرة من خلال أكثر من حقل معرفي يؤدي إلى دقة أكبر في استيعاب هذه الظاهرة، أما تجاهل أو إنكار وجود هذه العوالم لأن منظومتنا العلمية عاجزة فهو لا يخطو بنا أي خطوة للأمام. فلن تتكيف الظواهر الطبيعية لتتأقلم مع طريقة تفكيرنا وعلومنا، بل مداركنا وعلومنا هي التي يجب أن تتطور لتستوعب ما كانت تنكره. لن يجامل الفيروس صاحب المنظار المكبر فيظهر له عبر العدسات مشفقاً عليه وملوحاً له، ولكن صاحب المنظار عليه أن يعترف بقصور أدواته ويبحث عن مجهر دقيق.
إن نقطة البدء تكون في الاعتراف بقصور المنظومة العلمية التي بين أيدينا عن استكشاف العوالم الموازية المحيطة بالإنسان، وعجزها عن إبداء رأي ناضج بخصوص العالم الموازي وتأثيره في حياتنا. كما سيظل من الصعب إجراء نقاش موضوعي في عالم الروحانيات بدون إيجاد المنظومة العلمية المتطورة والمعترف بها القادرة على دراسة هذا المجال، وتنقيته من الخرافات والأهواء.
إن اقتحام هذا المجال بجرأة من أشخاص ينتمون إلى خلفيات علمية متنوعة مع ملكات روحانية متطورة ينبيء بإمكانية تأسيس علوم الروحانيات على قواعد سليمة، فتكتسب لغتها العلمية ومنهجها الخاص، مستفيدة من إنجاز البشرية فيما سبق من علوم مع خصوصية المنهج نظراً لخصوصية المجال.
وإيجاد منهج لدراسة عالم الروحانيات ليس أمراً عسيراً، وقطعاً ستكون له إشكالاته كما لمناهج البحث في العلوم الإنسانية والطبيعية إشكالاتها. لكن على الأقل ليبدأ المسار الذي سيتطور عبر أجيال، فيُهدي البشرية منظوراً جديداً مساعداً للنظر إلى الظواهر جنباً إلى جنب مع مناظير العلوم الطبيعية والإنسانية.
كل هذه الأحلام العلمية راودت الفريق الذي بدأتُ معه رحلتي في عالم الغيب، فكانت من ثمار هذه الرحلة أن انطلقت نواة مشروع علمي لفريق متنوع التخصصات في العلوم الإنسانية والطبيعية، هذا الفريق يعمل على دراسة الحالات التي كان لها نصيب من الاحتكاك بالعوالم الخفية الموازية، ويتم في المشروع رصد الشكوى وأعراضها ثم نتيجة تدخل المعالجين الروحانيين، كما يهدف المشروع إلى دراسة تطورات من دخلوا في برامج الارتقاء الروحي والحالة التي بدءوا منها ووصلوا إليها، ونوعية المواهب التي اكتسبوها. واليوم بعد نحو 3 سنوات منذ بدء الرحلة أصبح لدينا مئات الحالات التي يمكن على ضوء إحصاءاتها الخروج بنتائج وقواعد تفيد في دراسة هذه الظواهر. وما زالت الرحلة في البداية، ولكن يمكن الإعلان بثقة عن ميلاد نواة بحث عصري ستمدنا دورياً بـ “كلام علمي”.
وائل عادل
8/04/2020

أضف تعليق