نصابين

نصابين .. نصابين.. هكذا أخذ صديقي في الصراخ بعد أن أنهى تركيب أسنان عوضاً عن تلك التي تآكلت مع الزمن. حاولت تهدئته.. قال لي أنظر ماذا فعلوا؟! هؤلاء كفتجية وليسوا أطباء… تركته كي يهدأ بضع دقائق.. نظر إلي وفي عينيه حزن متسائلاً: هل تعرف طبيباً ماهراً يصلح ما أفسده هؤلاء؟! طمأنته.. نعم أعرف.. هناك مركز صحي به أطباء مهرة يشهد لهم كل من تعامل معهم..

ليست هذه هي الضحية الوحيدة التي وقعت في براثن أطباء قليلي المهارة والخبرة والضمير، فكم سمعنا عن طبيب نسي مقصه في بطن المريض، وآخر سرق كلية أحدهم ليبيعها.. لكننا لم نقل أبداً أن الطب كمجال هو مجال نصب واحتيال.

فور أن نفكر في عالم الروحانيات تقفز إلى العقل صورة ذهنية سائدة عن هذا المجال، باعتباره نادي المتخلفين والنصابين والدجالين.. ولا يخل هذا المجال من هذه الأصناف، لكنه أيضاً كأي مجال به الخبير الماهر الأمين.

ولعل سبب كثرة النصابين هو أن هذا المجال لا رقابة عليه، ولا توجد جهة تعتمده، ولو تُرك أي مجال لكل من هب ودب لفسد. هب أن مجال الطب مفتوح للجميع، وأنه يدر مبالغ طائلة، كم كنت ستجد من أناس يرتدون معاطف بيضاء في الشارع؟! هذا يرفع لافتة “فني إصلاح عظام”، وآخر “إزالة الصداع في 5 دق”، وغيره “تسهيل الولادة بدون حمل”!! كنا سنجد سيركاً منصوباً في الشارع باسم الطب، وأي شخص يرتدي المعطف الأبيض هو طبيب محتمل. كم كانت ستحدث حالات نصب باستغلال آلام الناس وأوجاعهم؟! ما حاصر ظاهرة النصب والاحتيال هو وجود منظومة كاملة للمجال الطبي، بداية من المسار الذي يمر به طالب الطب حتى يُعتمد كطبيب. وهو ما يعطينا ثقة في المجال حتى وإن وُجد به ضعاف الموهبة والخبرة والضمير.

في عالم الروحانيات أيضاً يقوم البعض باستغلال حاجات الناس، خاصة اليائسين من أي حل بعد أن جربوا معظم الطرق التقليدية، فيبحثون عن معجزة أو شخص صاحب كرامة. لكن لا توجد أية طريقة ليستوثق ذو الحاجة بنفسه من صدق أو كذب أو قدرة من يزعم أن لديه إمكانية المساعدة، فالناس تخوض التجربة بناء على السمعة، أو لأنهم يتعلقون بأي قشة أمل. لذلك يجد المحتالون مسرحاً خصباً لتمثيل دور صاحب الموهبة القادر على العلاج وقضاء الحاجات، يشجعهم في ذلك حاجة الناس من جهة، وغياب أي منظومة يمكن أن تكشف صدقهم من ادعائهم..

البعض أراح عقله ونفي وجود المجال الروحاني كلية، وقطع بعدم إمكانية أن تؤثر عوالم خفية في حياة الناس، وهؤلاء كمن قال لا يوجد أصلاً مجال اسمه الطب، نتيجة ما رأى من ويلات الأطباء. وهو لم يحل المشكلة، فأصحاب الحاجات سيتجهون حيث يظنون الأمل، كما سيزداد عدد المحتالين، خاصة إن علمنا أن جمهورهم ليسوا فقط البسطاء الجهلاء، بل الكثير من علية القوم في المجتمعات تتجه إليهم لحل بعض المشكلات!! فالمُعلَن هو الرفض والحقيقي هو البحث عن أصحاب القدرات الاستثنائية والتعامل معهم!!

ومن يزعمون أن لديهم قدرات استثنائية في التعامل مع العوالم الخفية أصناف، فهناك الكاذب الذي لا علاقة له بالمجال تماماً، ومنهم العالم بالمجال وحدوده ولكنه يخدع الناس عن علم، فهو يعلم أن طلبهم غير ممكن أو ليس في حدود قدراته، ومنهم المتمكن المتكسب من الموضوع بلا ضمير، يأتيه شخص للعلاج من السحر فيعالجه ويسحره هو مجدداً ليضمن استمرار الزبون. وهكذا تكون السمة المشتركة هي غياب الضمير، سواء وُجد علم بالمجال أم لا.

وهناك صنف أمين يهدف إلى مساعدة الناس، لكنه أيضاً يتفاوت في درجات العلم والمهارة، فقد حدثني ذات مرة صديق قائلاً: ” كل ما يطلق عليه علاج روحاني هو خرافة، وأعرف من كانوا يمارسونه بغرض مساعدة الناس، ثم تبين لهم كم كانوا يوهمون أنفسهم ومرضاهم بالقدرة على العلاج. ثم هجروا هذا الطريق”.

قلت له: هذا محتمل جداً، أن يكتشف بعض المتصدين لهذا المجال ضعف علمهم وقدراتهم.. فالمجال الروحاني لا توجد له مدرسة واحدة، ويختلط الحقيقي فيه بالوهم، كما أن قدرات المعالجين أنفسهم تتفاوت، هناك من لا يرى الإصابة الروحانية مطلقاً، ولكنه يشخص ويعالج المصاب بناء على خطوات تعلمها ممن سبقوه، كالطبيب الذي ليس معه أجهزة تحليل وأشعة، ويشخص فقط من خلال الأعراض التي يقولها المريض. وهناك من يرى العالم الموازي ويتواصل معه وهذا هو موضوعنا. هناك من يبرح المريض ضرباً بحجة إخراج الأرواح الشريرة منه، وهناك من لا يحتاج إلى رؤية المريض بالأساس، فهو لا يتواصل مع المريض بل مع العالم الروحاني المحيط به، هناك من يتواصل مع عالم الروحانيات شريطة أن يكون المصاب أمام عينه، وهناك من يتواصل عن بعد. هناك طبيب القرية بأدواته البدائية سواء على مستوى التشخيص أو العلاج، وهناك طبيب في مشفى مجهز بأحدث التكنولوجيا.. لا يستوون. لذلك فعن أي صنف من المعالجين الروحانيين تتحدث؟!

لا يمكن وضع كل من ينتسبون إلى المجال الروحاني في سلة واحدة، فلم يسلك جميعهم نفس الطريق، ولم يحصلوا على ذات النتائج، ولا يعتمدون نفس الأسلوب. حتى وإن سلكوا نفس الطريق ستتفاوت قدراتهم، فليس كل من سيدرس الرسم سيكون رساماً بارعاً، وليس كل من تمرن على كرة القدم سيكون أسطورة الملاعب. ولو كانت لدينا جهة قادرة على فرز من يتصدون للمجال الروحاني، لأمكن تقسيمهم إلى مستويات وشرائح بحسب سمعتهم وقدراتهم ومواهبهم والمساحات التي تعمل فيها هذه القدرات بكفاءة. لذلك ليست الأزمة في كثرة النصابين، فهذه نتيجة لتحد أكبر، وهو غياب المنظومة التي ترعى هذا المجال.

وائل عادل

30/03/2020

أضف تعليق