أزمة “ريسيفر”

هذا كلام يخالف المنطق.. لا يمت للعلم بصلة.. ما تتحدث عنه في رحلة الغيب لا يُعقل..

أنهى صديقي هذه الجمل ثم نظر إلى التلفاز.. ما هذا؟! القنوات توقفت عن العمل.. لقد فعلها مجدداً؟ قلت له من؟ فأجاب: “الريسيفر”.. قلت له تعني أن العطل في جهاز الاستقبال؟ فأجاب.. نعم مشكلة في التقاط الترددات.. قلت له سبحان الله.. هي نفس مشكلتك تماماً!! أنت تظن أن العقل يعمل فقط بقوة التفكير!! لكن العقل يمتلك قوة أخرى، وهي قوة الاستبصار، والتي كانت سبباً في تطور الكثير من العلوم والأفكار!!

فالعلوم تتطور اعتماداً على قوتين في العقل، قوة التفكير وقوة الاستبصار، أما قوة التفكير فهي التي ترصد وتحلل وتصمم التجارب وتستخلص القوانين، وهي وحدها قد تعجز عن حل لغز علمي أو إحداث طفرة في مسار العلم.

هنا تأتي قوة الاستبصار، وهي التي تمنح العقل الأفكار دون سابق تفكير، فلا يعرف من أين أتت الفكرة، لم يكن في أجواء تفكير، ولم يصل للفكرة من خلال منهج تفكير وتحليل منظم، ربما كان الشخص يصلي أو يتنزه أو يحدث أصدقاءه، وفجأة ترد الفكرة.. وحين يصف ما جرى لا يقول فكرت في فكرة.. ولكن يقول خطرت لي فكرة.. ولا يستغني علم عن هذا الاستبصار.

ولتوضيح الفكرة أكثر يمكن القول أن التفكير وظيفته إنتاج أفكار، أما الاستبصار فوظيفته استقبال أفكار. والإنتاج له حدود يحكمها المنطق، فلن ينتج العقل بدون خطوات منطقية. أما الاستقبال فلا حدود له ولا يحتاج المنطق كأداة. فمثلاً لم يستطع العقل البشري قبل مئات الأعوام أن يفكر في خطوات سليمة لإنتاج طائرة تنجح في الطيران، تستحيل عليه في هذا التوقيت، هنا نقول أن قدرة إنتاج الأفكار محدودة. لكن العقل من حيث هو مستقبل فلا حدود له، كاستقباله فكرة أن يطير بعد رؤية طائر يبسط جناجيه في السماء. فالعقل يستقبل أي شيء ثم يمنطقه لاحقاً، مهما كان خيالياً. لذلك حين يقول شخص هذا غير منطقي، هل يقصد غير منطقي من حيث الإنتاج أم الاستقبال؟! فالرحلة الروحية تقوم بالأساس على الاستبصار، والاستبصار يعمل على قوة الاستقبال لا الإنتاج.

وسبب ضمور قوة الاستبصار والوعي بطريقة عملها أننا منذ الصغر نتمرن على تطوير قوة التفكير في العقل، من خلال البيت والمدرسة والمجتمع، أما قوة الاستبصار فلم نتمرن على تطويرها، بل لا نعبأ أو ننتبه لوجودها بداخلنا. وإن انتبهنا قاومناها لصالح قوة التفكير. وقد أدى ذلك إلى أن نعيش بنصف عقل. يعتمد فقط على قوة التفكير.. عقل مشلول ضمرت فيه قوة الاستبصار. وبالتالي وعي مشوه بأنفسنا والعالم من حولنا.

وتتفوق المدارس الروحية على المدارس العلمية التقليدية في قدرتها على تنمية قوة الاستبصار. فبالرياضة الروحية تتمدد لحظات الاستبصار شيئا فشيئاً، فتنتقل من لحظات إلى ثوان ثم دقائق حتى تصبح وعياً كاملاً، فالتأمل يعتمد على إيقاف قوة التفكير من أجل إطلاق قوة الاستبصار، فلا تحليل أو تفسير أثناء جلسة التأمل.. فهذا تشويش على الاستبصار..

لذلك كانت من قواعد التأمل التي تعلمتها ألا تمسك بأي فكرة، دع الأفكار تمر كالنهر الجاري، أوقف تركيزك مع أي فكرة، ركز في التنفس أو في صوت الكائنات من حولك أو في أي شيء آخر سوى الأفكار، أو لا تركز في أي شيء إن كان بمقدورك فعل ذلك. عندها ستبدأ قوة الاستبصار في العمل.. وساعتها لا تتوقف عند أول خاطر يأتيك لتدرسه وتحلله. فمثلاً إن رأيت طيفاً سريعاً لإنسان مر أمامك، وأنت تشك أنه من عوالم أخرى.. لا تسأل هل هو حقيقي؟ هل هو إنسان؟ لماذا أتى؟ أنت بذلك تطفيء نور الاستبصار باستدعائك للعقل المفكر.. لا تقلق.. ستستدعيه ليحلل وينظم ويصوغ ما وصلت إليه قوة الاستبصار.. ولكن ليس الآن..

وقوة الاستبصار لا تقتصر على ورود أفكار أو حلول مشاكل كما في الحقل العلمي، بل قد تكون إخباراً بأحداث، أو تواصلاً مع شخص بعيد. فهي تمدك بإمكانات جديدة لإدارك العالم من حولك والتعامل معه. وإذا تطورت قوة الاستبصار ستلحظ تطوراً في الحواس، فتسمع وتبصر وتشعر بما لم تعتده من قبل..

إن المعرفة التي تأتي عبر الرحلة الروحية تشبه تلك التي تأتي عبر الرحلة العلمية التقليدية من حيث استخدام العقل والتجربة، غير أنها تعتمد ابتداء على قوة الاستبصار ثم قوة التفكير، بينما العلوم التقليدية تعتمد في الغالب على قوة التفكير ثم الاستبصار.. نعم قد يبدأ البحث العلمي فيها بخاطر مفاجيء يثب على العقل. لكن الأدوات الرئيسية للبحث هي قوة التفكير.. أما التجربة فحاضرة في البحث العلمي والرحلة الروحانية على سواء، وسأخصص لها موضوعاً مستقلاً.

إن خلاصة الطريق للنجاح في هذه الرحلة تكمن في عدم مقاومة الاستبصار، وألا تعتبره عدواً للعقل المفكر، بل هو مكمل له، وأن تسمح لحواسك بالتطور فلا تقمعها بإجابات نمطية، مثل هذه هلاوس أو وساوس. تحتاج إلى عين دقتها أعلى ومداها أوسع، وأذناً ترصد ذبذبات لم تعتدها من قبل. وهذه الأمور تتطور تدريجياً.

في حوار مع أحد من صحبتهم في الرحلة ممن تطورت لديه إمكانية رؤية الجن؛ سألته إن كان يراهم وهو مبصر، قال: لا، حتى الآن لا أراهم إلا إن تخليت عن عيني، إن أغلقت جفني وقررت أن أرى، وكأن العين فعلياً هي التي تحجب الرؤية وتقوم بالتشويش.. وفور أن أغلق جفني أراهم في محيطي، وأحياناً أرى عالمهم وليس فقط أشخاصهم، فنفس البيت مثلاً الذي أسكن فيه أراه بترتيب مختلف تماماً، وكأنني أرى عالماً موازياً بالمعنى الحرفي للكلمة. في البداية كانت الرؤية مشوشة ومتقطعة، أما الآن فيستمر الإرسال بشكل واضح حتى أفتح عيني مجدداً.

سألته كيف حدث هذا؟!.. قال .. لا تقاوم..  ثم استطرد.. سمعت ذات يوم صوتاً واضحاً كأنه يتحدث في أذني، استعذت بالله من الشيطان، أخبرت معلمي، فضحك قائلاً، ولماذا تستعيذ؟! قلت له إن كان شراً يذهب.. فأجاب.. الاستعاذة سلاحك وسيظل معك.. الفكرة متى تستخدمه.. ستتمرن على الاستخدام المناسب لوسائل مواجهة الشيطان. لكن الآن لا تشغل بالك إن كان شيطاناً أم لا، أوقف حركة التفكير.. .. كيف ستمرن حواسك إن داومت على هذه المقاومة؟! كيف ستتطور ملكة السمع لديك؟! في المرة القادمة أطلق لأذنك العنان ولا تستسلم لإمكاناتها الحالية.. فإمكاناتها الحالية تحجب عنك السمع.. وهو ما قاله جلال الدين الرومي بعبارة بديعة: “ربما تكون الأذنان هما القطنتين اللتين تحجبانك عن السمع”!!

وائل عادل

7/03/2020

أضف تعليق