لم تكن فكرة الرحلة نحو عالم الغيب مقصودة، ولكنني أُقحمت فيها إقحاماً بسبب صديق مصاب بأذى روحاني، وكالعادة دارت كل الأفكار في رأسي، حتماً لديه هلاوس، إنه يتوهم، ربما لديه مرض نفسي، وغيرها من الاحتمالات المنطقية التي يجب التفكير فيها. أخذت أتابع بمنتهى الفضول موضوع العلاج!! وكانت الصدمة.. نتيجة العلاج إيجابية.. أتعلمون سر الصدمة؟! المعالج لم يلتقِ بالمصاب أبداً، أو حتى يكلمه مرة واحدة عبر الهاتف!! فقط طلب صورة شخصية واضحة له!!
هنا بدأت أفكر في المعالجين أنفسهم، هل هؤلاء موهومون؟ يدعون التواصل مع عوالم أخرى؟! احتمال كبير.. لكن هناك جزء لا تخطئه عين متابع، أن هؤلاء الناس لا يدعون فقط استقبال إشارات من عوالم أخرى، بل يُترجم ذلك الادعاء إلى سلوك فاعل في الحياة ينعكس على إمكانات استثنائية!! فالقصة ليست مجرد هلاوس يراها ويرويها، ولكن قدرات لم نعتدها، تتجاوز موضوع العلاج. من هنا أتت فكرة البدء في الرحلة لفهم ما يحدث.
حين قررت الاستكشاف لم أكن وحدي، كنا فريقاً من جنسيات وأعمار مختلفة، وكانت الفكرة أن الشخص وحده قد يصاب بالوهم، لكن الفريق سيراجع بعضه بعضاً، خاصة أن كل أعضائه من مشارب علمية ويتمتعون بعقليات نقدية، ولم يكن الكل مقتنع بالفكرة، كنا على درجات مختلفة من مقاومتها، فلم نبدأ الرحلة رافعين الرايات البيضاء.. وكان من بيننا مهتمون ودارسون لعلم النفس، كما كنت على صلة بطبيب نفسي لم يدخل معنا الرحلة لعلنا نحتاجه للتمييز بين الهلاوس والحقائق. كذلك لم يدخل كل الفريق في التجربة في ذات الوقت، فقد نتوهم كلنا نفس الشيء. لذلك منا من تقدم الصفوف، ومنا من اكتفى بالملاحظة والتسجيل. أيضاً كنا نحاول تجنب مزالق ومنعطفات الطريق، فليقتحم البعض وليرقب البعض الآخر، فإن كان الطريق آمناً تقدم الآخرون. وهكذا حاولنا أن نحتفظ بعقولنا أثناء الرحلة.
كانت النتيجة أن معظم من دخلوا رحلة الارتقاء الروحي حدثت لهم تطورات في حياتهم، وهي تطورات تتجاوز الهلاوس، فالهلوسة تعني الشخص ذاته ولا تفيد من حوله، كمن يرى قطاً أسود يمشي في البيت، أو يشعر بأنفاس خلفه حين يستلقي للنوم، أو يرى يداً كالهيكل العظمي فوق يده. هذه كلها قد نقول عليها هلاوس.. لكن هناك نتائج مؤثرة تتجاوز الفرد ويمكن قياسها. وسأذكر بعضها سواء مما حدثت للفريق أو من التقيت بهم ممن سبقوا في هذا الطريق.
رأيت من تطور عالم أحلامه، لتتحول من مجرد أحلام تعكس أوهامه أو اهتماماته ومخاوفه، إلى أحلام مفعمة بالتبشير أو التحذير من حدث قائم أو قادم، أو كشف أحوال أشخاص بعينهم من خلال أحلام ذات طابع إخباري.
وإن انتقلنا من الأحلام لليقظة تتوالى العجائب، فهناك من إذا نظر إلى شخص دون سابق معرفة بدأ يعرف بعض تفاصيل حياته. ورأيت مستوى أعلى، مَن إذا نظر فقط إلى صورة شخص استطاع معرفة بعض أخباره والتعرف على معاناته. كما رأيت من يستطيعون الكشف على الأماكن إن كانت بها طاقة سلبية أو إيجابية، فقط من خلال صورة المكان، وهناك من إذا تحدث مع شخص عبر الهاتف استطاع وصف المكان الذي يجلس فيه من يحدثه وشكل الناس من حوله.
ورأيت من اكتسبوا مهارات علاجية. فها هو صديق مقرب اكتسب مهارة علاج آلام العظام، سألته كيف تعلمتها، فأجاب مندهشاً، عُلمت دون أن طلب ومن غير كتاب، وكأن برنامج العلاج تم تثبيته كاملاً في عقلي. وبالفعل بدأ يحقق نتائج إيجابية مع بعض الحالات.. ولا زال الأمر يحتاج مني المزيد من الدراسة والمتابعة والتقييم.
ورأيت من اكتسبوا ملكة التخاطر وتبادل الأفكار عن بعد، وغيرها من الملكات التي يصبح إنكارها هو الوهم بعينه!!
من حقنا ألا نقتنع بما يرويه شخص عن أشياء يراها أو يسمعها، فليست لدينا طريقة للتثبت مما يقول.. لكننا نستطيع رصد تطورات في قدراته الشخصية لم تكن موجودة من قبل، كما سنجد نتائج ملموسة على الآخرين الذين يتعرض لهم سواء بعلاج أو بكشف روحاني. لذلك سواء صدقنا أم لم نصدق ما يزعم أنه يراه أو يشعر به؛ فلن يسعنا سوى أن نقول.. إن كانت كل هذه هي ثمار الهلاوس؛ فأهلاً بالهلاوس.
أدركت أننا أمام موهوبين لا موهومين، وكأن الله أراد من إخبارنا بالغيب أن نبدأ الرحلة، لنتعرف على كامن إمكاناتنا المودعة فينا، ونُفَعل نظم التشغيل داخلنا التي لم تعمل بعد. فقبل رحلة الغيب أنت تعيش ربع إنسان، تنكر إمكاناتك غير المكتشفة باعتبارها ليست إمكانات بشرية، ومع الرحلة والتمرين الروحاني تبدأ هذه الإمكانات في التفعيل شيئاً فشيئاً، لتكتمل إنساناً في أحسن تقويم.
وائل عادل
28/02/2020

أضف تعليق