أعترف أنني لو لم أشاهد بنفسي هذه الظواهر لكنت ما زلت في نادي أصحاب العقول المستريحة، الذين ينكرون كل وجود أو تأثير لما لا يرون. ولربما كنت على رأس من ينسبون كل ما يجهلون إلى الخرافة.
عايشت عبر رحلتي من أبصروا بوابات العالم الموازي، وعاينت أحوال من يتواصلون مع الشياطين، وكنت أظنهم مجموعة من الموهومين، حتى تبين لي أنهم موهوبون، لديهم قدرات خاصة، سواء كانت بالولادة أو اكتسبوها عبر رياضة روحية، اقتحموا بشجاعة عالم الغيب، أو أُقحموا فيه، لكن أقصى ما وصلوا إليه في رحلتهم حفنة من الشياطين التي اعترضت طريقهم!! كما التقيت بمن تجاوز الشياطين، ومضى دون أن يلتفت، ليستكمل رحلته إلى الله، يبحث عن مصدر النور.
شغل الأمر اهتمامي على مدار سنوات، وكان جزءاً من رحلتي الروحية، لأكتشف أن ما كنت أرفض تصديقه حول هذا العالم الخفي كان بسبب جهلي بهذا المجال. كنت أردد ما وجدت عليه آبائي من مقولات عامة سائدة حول التعامل مع الغيب، أحيل كل شيء لم أتكبد عناء البحث فيه إلى أنه خرافة. فما أسهل أن يفعل الإنسان ذلك ليفر من معركة العقل والغيب!
أحياناً نتوهم أننا حكماء عصرنا حين ننسب إلى الخرافة كل ما لا نستوعبه، لنكتشف لاحقاً أننا كنا نعيش أكبر خرافة، وأن عقولنا كانت في قمة البساطة. فلم تتمرن لتستوعب أبعاداً جديدة، وتحاول فهم الظواهر الغريبة عبر بناء معرفي جديد.
إن أردنا محاربة الخرافة فليكن ذلك بالعلم، وأعني العلم بالمجال الروحاني، ومعرفة المساحة التي اشتغلت فيها الخرافات، في مقابل المساحات التي تطورت فيها قدرات البشر الذين استوعبت عقولهم وقدراتهم بعضاً من هذا العالم الغيبي الفسيح.
قابلت أثناء الرحلة جهالاً، بعضهم ينسب كل شر أو تعثر في الحياة إلى الشياطين، وآخرون لا يؤمنون تماماً بأي تأثير للشياطين في حياة البشر. فكلاهما يجمعهما شكل من أشكال الجهل، غير أن الصنف الثاني يظن أنه يسدي للبشرية خدمة حين يحارب الخرافة. لكنه يصيح دون أن يدري.. “سنحارب الخرافة بالجهل”!!
فليست لديه الشجاعة الكافية ليقول لا أعلم عن الغيب إلا اليسير، بل يسارع في اتهام من حباهم الله قدرات تفوق قدراته، ويتمادى فيقفز إلى التشخيص، يصف هذا بالمتوهم، وهذا بالمريض النفسي.!! فما الفرق بينه وبين الجاهل الذي يشخص مرضاً بغير علم؟! كلاهما يتدفق جهلاً.. يتكيء على أريكته ويشطب من البشرية موهوبين يقفون كهمزة وصل على بوابات العوالم الموازية!! فقط لأن عقله ضيق لا يستوعب وجودهم.
ما رأيته في هؤلاء أنهم يستميتون في الدفاع عن عقولهم أكثر من محاربة الخرافة، يخشون انهيار عالمهم التقليدي الذي نشأوا عليه.. فتراه يصيح متشنجاً، هذا يخالف العقل!! هكذا بحركة جاهلة خاطفة اختصر عقل البشرية في عقله، وكأنه العقل الجامع للنضج الإنساني. وليته قال… يخالف عقلي.. فأي عقل تقصد؟! عقلك وأنت طفل؟! أم وأنت ابن العشرين أم الأربعين؟! عقلك قبل عدة تجارب متنوعة في هذا المجال أم بعدها؟ عقلك اليابس أم المتجدد؟! عقلك الحر أم الحبيس؟!
لن يسلك هذه الرحلة عقل جامد، ولن يفلح فيها سوى من يؤمن أنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً.. متسائلاً في تواضع.. هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟! باحثاً عن الدليل.. هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين!!
هذا ما حاولت فعله خلال الرحلة، كنت أبحث عن الدليل، أريد شيئاً ألمسه بيدي.. فكان مما استوقفني أولئك الذين لديهم القدرة على علاج الحالات الصعبة من الأذى الشيطاني الذي قد يدفع إلى الجنون والانتحار، ورأيت من ينجحون بالفعل في ذلك، فلديهم من علوم الغيب والشهادة ما يمنحهم القدرة العالية على التمييز بين المرض العضوي والنفسي والروحاني، ولديهم طرق خاصة للتشخيص في العالم الروحاني، فلا يعتمدون فقط على سماع الأعراض من المصاب، بل لعلهم لا يسمعونها مطلقاً!!
قلت ربما في الأمر إيحاء نفسي للمصاب كما يخبرنا علم النفس، ثم رأيت حالات تم علاجها دون علمها، لأتأكد أن هناك شيء يجب دراسته وتتبعه بشكل علمي. فبدلاً من إراحة العقل بوصف كل جهد في هذا المجال بالدجل والخرافة، ينبغي أن نتواضع ونعترف أننا نمتلك بناء معرفياً متخلفاً وحواس ضامرة، لا يمكنها استيعاب ظواهر الغيب.
وكان التحول الكبير في التفكير حين رأيت بنفسي إنقاذ ثلاث حالات من الانتحار، هذه الحالات تنتمي إلى بلدان ولغات ومعتقدات مختلفة، ويجمعها أنه تم علاجها دون إعلامها وفي مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام!! وهنا انتفى عنصر الإيحاء النفسي.
أخذت أفكر.. كم من حالة انتحار كان يمكن منعها في زمن قياسي لولا الخوف غير الواعي من “الخرافة”، صحيح أن العلاج بالخرافة يدمر حياة المصاب، لكن أيضاً تجاهل العلاج الروحاني خوفاً من الوقوع في براثن الخرافة قد يؤدي إلى تدمير حياة إنسان.. النتيجة واحدة في النهاية.. ولا سبيل سوى التمييز بين الخرافة والعلم الروحاني.
أدركت أن الأمر يستحق جدية البحث بدون أحكام مسبقة، دون انحياز أو رفض، والتمييز بين الحالات التي يعمل معها هذا العلاج والأخرى التي لا يجدي معها. شعرت وكأنني وجدت كنزاً رغم أن الرحلة ما زلت في بداياتها. فنجاح هذا النوع من العلاج يعني إمكانية إنقاذ حياة ملايين البشر من الإصابات الروحانية الناشئة عن تداخل العوالم، والتي لا يفلح معها الطب النفسي أو العضوي، الذي يبحث عن تشخيص المرض والعلاج في عالم واحد. وهو ما يعني بوابة أمل جديدة قد تفك بعض ألغاز ما يئس منه الطب التقليدي!!
بهذه الرحلة تغيرت نظرتي لروح الإيمان، فلم يعد الإيمان بالغيب مجرد اعتقاد وإقرار بوجود عوالم أخرى، بل يعني دراستها ورصد مدى تداخلها وتأثيرها في عالمنا، بعيداً عن خرافة المشعوذين وجهل المنكرين. وهو إيمان لا يحتاجه الله؛ بل نحتاجه نحن لاستيعاب ما يحدث في عالمنا.
وائل عادل
01/02/2020

أضف تعليق