اختبار صبر أم افتتاح عصر؟!

كنت أنتظر الفرصة منذ حوالي 20 سنة، أن أنطلق في رحلة روحية، فقد عكفت منذ الصغر على القراءات التي تتحدث عن صفاء الروح وشفافيتها. أمارس بعض الرياضات الروحية كالتأمل والصمت، لم أصل منها لشيء يرضيني، فهناك شعور دائم أنني لا أنتمي إلى هذا العالم الضيق، أو لنقل.. هذا العالم المرئي لا يكفيني بأي حال!! شيء ما علي أن أجده!! وهو حتماً يتجاوز ما أراه!!

كنت مؤمناً أن ما نراه يشكل جزءاً يسيراً جداً مما هو موجود، وأن ما خفي له التأثير الأهم أحياناً في نظام الكون، حتى البشر حين بدأوا يصنعون الأشياء اهتموا بإخفاء بعض المكونات المهمة، وكأنهم يحاكون الكون في تركيبته، يخفون محرك السيارة عن الأنظار، ويخبئون المكونات الأساسية لبرمجة وتشغيل الهاتف داخله حتى لا تصل إليه يد عابث. نحن كبشر اعتمدنا صناعة الغيب في بناء عالمنا، ثم نتذاكى بأننا لا نؤمن إلا بما نرى!!!

ومن تأمل طبيعة الخلق يدرك أن بعض الأشياء التي لا نراها تتأسس عليها الحياة أو تفنى، كالأكسجين الذي نؤمن بأنه سر حياتنا ولا نراه. ولكننا نثبت عملياً مع كل شهيق أو زفير أن سر الحياة يكمن فيما لا نراه. كذلك الروح وأسرارها، فنجيء إلى الدنيا ونغادرها دون أن نراها… لكننا حين نغضب نصرخ في يقين “هاطلع روحك”!!

        وسر الشقاء أيضاً قد يكمن فيما لا نراه. فها هو “فيروس” متوحش ماكر يضرب العالم، يخترق الحدود والجدران، يخرج لسانه للبشرية التي تدعي أنها مبصرة قائلاً، راداراتكم لم تلتقط إشارتي. فهل التقطنا الإشارة؟!

        إنها ليست إشارة وجود “الفيروس”، بل إشارة أن ما خفي أعظم، وأن هناك مخلوقات لا نعلمها تحيط بنا، وتتداخل في حياتنا، وتؤثر تأثيراً مباشراً سلباً وإيجاباً، كما نؤثر نحن أيضاً فيها فتتفاعل معنا، فهذا العالم لا نسكنه وحدنا، وما يغيب عن أنظارنا أكثر مما نراه، كل الفكرة هل نملك راداراً يلتقط الإشارة أم لا؟!

كل ما خفي عنا من عوالم هو غيب، وقد خُلق الإنسان ككائن مكتشف لعوالم الغيب، وتطوره مرهون بحجم ما يكتشف من هذه العوالم، فالبكتيريا لم تكن معروفة قبل القرن السابع عشر، ثم انضمت إلى عالم الشهادة، والفيروسات اكتشفت في أواخر القرن التاسع عشر. هذه أمثلة لغيب اكتشفه الإنسان دون توجيه إلهي صريح.

وهناك غيب تم التشديد الإلهي على الإيمان بوجوده، وتأكيد اشتباكه مع عالمنا مثل الملائكة والشياطين وما لا نعلم من جنود ربك، فما جدوى هذا التشديد إن لم تكن معرفته مفيدة في واقعنا؟!

        كنت أتساءل!! لماذا يوصف المؤمنون دائماً بأنهم “يؤمنون بالغيب”، بل لعلها أبرز صفة لهم، هل هو اختبار صبر أم تحفيز لاكتشاف العالم الخفي؟! هل هي صيحة تحذير أن توقفوا فهذا الغيب لن تدركوه؟! فقط آمنوا، وكأننا في أقسى اختبار للبشرية؟! أم هو نداء ملهم أن اقتحموا عوالمه، واكتشفوا كنوزه، وطوروا دنياكم، وازدادوا إيماناً؟!

إن السعي لاكتشاف عوالم أخرى عبر رحلة روحية ليس دروشة أو هروباً من الحياة، أو مجرد فضول التعرف على عوالم موازية، أو إشباع الخيال؛ لكنه إتمام لرحلة النضج الإنساني، ووضع اليد على عناصر مؤثرة على مجرى الحياة إيجاباً وسلباً.  

هل من غادروا الأرض في رحلة مجنونة إلى الفضاء كانوا يهربون؟ أم يفتتحون عصراً جديداً؟!

إن اكتشاف عوالم الغيب قد يكون إيذاناً بإطلاق إمكانيات جديدة في الحياة، يمكن أن تجعل البشر أكثر سعادة وطمأنينة، كما أنها تزيد المؤمن إيماناً، وتوفر إجابة لأهل الشك الصادقين في أسئلتهم والباحثين عن يقين.

وائل عادل

15/01/2020

أضف تعليق