كان زلزالاً عظيماً، غير الكثير من المفاهيم حول الحقيقة والوهم، والواقع والخيال. كانت رحلة مذهلة، كرحلة “أليس” في بلاد العجائب، ولعلها رحلة العمر. رحلة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، حيث تتضح الصورة، وتعجز العبارة عن الوصف، حيث تمنيت أن أعيش أعواماً مديدة، فلا أغادر هذه الحياة قبل أن أحيا الحياة الحقيقية، حيث نبصر فيها بوضوح جميع العوالم متصلة وتعمل في آن واحد.. عالم الشهادة وعالم الغيب.
بدأت الرحلة قبل عامين، بدأت بالمقاومة والاعتداد بالعقل والإيمان المطلق به، والاكتفاء بالإيمان القلبي التقليدي بعالم الغيب، ثم تطورت بانهيار المقاومة، وظل الاعتداد بالعقل!!
كنت أظن أن رحلة الإيمان مستقلة عن العقل، فالعقل لا يستوعب الغيب، والإيمان بالنسبة لي كان محض تسليم بما لا نراه أو نستوعبه، حتى تبدد هذا التصور أثناء الرحلة، التي لا يصمد فيها إلا أولوا الألباب، أصحاب العقول الحالمة التي تعشق الخيال.
فالإيمان بالغيب لا يعني مخالفة أو تجاهل العقل، إنه فقط يعني أن العقل بوضعه الراهن وطريقة عمله غير قادر على استيعاب ما لا يراه، لكن ماذا لو تطور العقل؟ ماذا لو تحرر من سجن ما يراه؟ ماذا لو كان الإيمان بالغيب يقتضي عقلاً في أقصى درجات المرونة والتحرر ليستوعب أشياء كان يظن استحالة وجودها فضلاً عن استيعابها؟! ماذا لو كان الإيمان بالغيب يتطلب عقلاً أكثر نضجاً من ذلك الذي نعتد به؟!
إن عنوان “الإيمان بالغيب” لا يعني تجاهل العقل في مقابل التسليم للقلب، إنه يعني عدم الركون إلى ذلك العقل المأزوم في حالته الراهنة، المحشور في عالم الشهادة، كما لا يعني إثبات وجود الغيب بالجدال العقلي، باعتباره أقصى إمكانات العقل الراهن قبل أن يتحرر. مثل المحاججة بأن كل موجود له موجد، أو أننا لا نرى الكهرباء ولكننا نرى أثرها، ونقيس الغيب على نفس الحالة. هذه الوسائل لا تطور العقل وتمنحه إمكانات إضافية للتعامل مع “الغيب”، قد تساعده في تقبل فكرة “الغيب”، لكنها لا تعطي اليقين الكافي.
حين نؤمن بالغيب فنحن مدعوون إلى تطوير إمكاناتنا لسبر أغواره، والفارق بين المؤمن وغير المؤمن، أن المؤمن يقول هناك مدينة رائعة مخفية خلف هذا الجبل، وعلينا أن نبذل الجهد لنصل إليها، فهي تغيب عن أنظارنا لكنها حتماً موجودة. بينما غير المؤمن ينكر وجود المدينة أو يشك في وجودها، فليس لديه الحافز للانطلاق في الرحلة.
الإيمان بالغيب لا يعني أن نظل طول أعمارنا نؤمن بوجود المدينة دون أن نقطع نحوها شبراً، بل يعني أننا واثقون من وجود كنز هناك، لكن عقلنا وإمكاناتنا الحالية لا تسعفنا للوصول. ومن هنا تبدأ الرحلة بتطوير الإمكانات تدريجياً، لنكتشف بالوقت أن أموراً تنتقل من عالم الغيب لتصبح بالنسبة لنا ضمن عالم الشهادة، بل وأحياناً نراها عين اليقين، هذا ما أسميه “تصَدُّع في عالم الغيب”، والمقصود تصدع في تصوراتنا السابقة عن عالم الغيب.
إن عالم الشهادة سيتمدد تدريجياً ليستوعب عوالم أخرى، فنرى عالماً من العجائب كان مخفياً عنا، ليس بسبب أنه محجوب، بل لأننا حجبنا أنفسنا عنه بسبب قصور عقولنا ومقاومتها.
والمؤمنون بالغيب ليسوا مدعوين إلى تنحية عقولهم، بل هم المدعوون لتحرير عقولهم من الوعي القديم المحدود، لينفتح إلى وعي لا متناه.. هنا تبدأ رحلة زلزال العقول وإحداث التصدعات بل والانهيارات أحياناً في الوعي السابق، لتعيد تعريف كل شيء، وتمكننا من النظر إلى العالم بشكل مختلف. فرق كبير بين أن تقول لا أصدق إلا ما يصل إليه عقلي فقط لتسلم بأن تعيش أعمى لا يرى، وبين أن تقول لا أصدق إلا ما يصل إليه عقلي مع إعطاء عقلك كل إمكانات الوصول وتمرينه ليتعافى من قصور الإدارك.
إن رحلة “الإيمان بالغيب” عبر تطوير العقل وصقل الحواس لا تقتصر فائدتها على الصعيد الفكري واليقين والدفء والروحي، فعبر هذه الرحلة تتطور قدرات الإنسان، وتصقل مواهبه، ليكون فاعلاً في الحياة بشكل مختلف، ينبع من إدارك جديد وقدرات أكثر تطوراً.
وتسير رحلة تحرير العقول على ثلاثة محاور، الأول معالجة أنماط التفكير السائدة حول فكرة الغيب ومدى إمكانية انتقاله لينضم تدريجياً إلى عالم الشهادة، والثاني يعالج أهم الأفكار المغلوطة حول فكرة الغيب والشهادة، أما الثالث فهو عملي ويطور قدرات العقل ليستوعب ذلك العالم الجديد.
وسنركز في هذه السلسلة على معالجة أنماط التفكير والأفكار الخاطئة التي تقود إلى التفاعل السلبي مع عالم الغيب، ولن نتعرض لكيفية التعامل مع عالم الغيب إلا بالقدر الذي يساهم في علاج طريقة التفكير وتحرير العقل يحسب ما يتطلب كل موضوع.
وائل عادل
1/01/2020

أضف تعليق